ابن الجوزي
296
صفة الصفوة
وكان الشبلي ينوح يوما ويقول : مكر بك في إحسانه فتناسيت وأمهلك في غيّك فتماديت ، وأسقطك من عينه فما دريت ولا باليت . وقال : ليت شعري ما أسمي عندك غدا يا علّام الغيوب ؟ وما أنت صانع في ذنوبي يا غفّار الذنوب ؟ وبم تختم عملي يا مقلّب القلوب ؟ . قال : وكان الشبلي يقول في جوف الليل قرّة عيني وسرور قلبي ، ما الذي أسقطني من عينك ؟ ثم يصرخ ويبكي . قال : وقال الشبلي : لا تأمّين على نفسك وإن مشيت على الماء حتى تخرج من دار الغرّة إلى دار الأمل . وقال الشبلي : إذا وجدت قلبك مع اللّه فاحذر من نفسك ، وإذا وجدت قلبك مع نفسك فاحذر من اللّه . وقال أحمد الحلقاني : سمعت الشبلي يقول : من عرف اللّه عزّ وجل لا يكون له غمّ وسمعته يقول : أحبّك الخلق لنعمائك وأنا أحبّك لبلائك . وعن أبي حاتم الطبري قال : سمعت أبا بكر الشبلي يقول : إن أردت أن تنظر إلى الدنيا بحذافيرها فانظر إلى مزبلة فهي الدنيا وإذا أردت أن تنظر إلى نفسك فخذ كفّا من تراب ، فإنك منه خلقت وفيه تعود ومنه تخرج . وإذا أردت أن تنظر ما أنت ؟ فانظر ما ذا يخرج منك في دخولك الخلاء ؟ فمن كان حاله كذلك فلا يجوز أن يتطاول أو يتكبر على من هو مثله . وعن الحسين بن أحمد الهروي قال : سمعت أبا بكر الشبلي يقول : ليس للأعمى من رؤية الجوهرة إلا مسّها ، وليس للجاهل من اللّه إلا ذكره باللسان . وسأل جعفر بن نصير بكران الدينوري ، وكان يخدم الشبلي ما الذي رأيت منه ؟ يعني عند وفاته . فقال : قال لي : عليّ درهم مظلمة تصدّقت عن صاحبه بألوف ، فما على قلبي شغل أعظم منه ثم قال : وضّئي للصلاة . ففعلت فنسيت تخليل لحيته وقد أمسك عليّ لسانه ، فقبض على يدي وأدخلها في لحيته ثم مات .